صفي الرحمان مباركفوري

97

الرحيق المختوم

المقاطعة العامة وقعت أربع حوادث ضخمة - بالنسبة إلى المشركين - خلال أربعة أسابيع ، أو في أقل مدة ، منها : أسلم حمزة ، ثم أسلم عمر ، ثم رفض محمد صلى اللّه عليه وسلم مساومتهم ، ثم تواثق بنو المطلب ، وبنو هاشم كلهم مسلمهم وكافرهم ، على حياطة محمد صلى اللّه عليه وسلم ومنعه ، حار المشركون ، وحقت لهم الحيرة ، إنهم عرفوا أنهم لو قاموا بقتل محمد صلى اللّه عليه وسلم يسيل وادي مكة دونه بدمائهم ، بل ربما يفضي إلى استئصالهم . عرفوا ذلك فانحرفوا إلى ظلم آخر دون القتل ، لكن أشد مضاضة عما فعلوا بعد . ميثاق الظلم والعدوان اجتمعوا في خيف بني كنانة من وادي المحصب فتحالفوا ، على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ، ولا يبايعوهم ، ولا يجالسوهم ، ولا يخالطوهم ، ولا يدخلوا بيوتهم ، ولا يكلموهم ، حتى يسلموا إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للقتل ، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق « أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه ، للقتل » قال ابن القيم : يقال : كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم ، ويقال : نضر بن الحارث ، والصحيح أنه بغيض بن عامر بن هاشم ، فدعا عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فشلت يده « 1 » . تم هذا الميثاق ، وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة ، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم - إلا أبا لهب - وحبسوا في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة . ثلاثة أعوام في شعب أبي طالب واشتد الحصار ، وقطعت عنهم الميرة والمادة ، فلم يكن المشركون يتركون طعاما يدخل مكة ولا بيعا إلا بادروه فاشتروه ، حتى بلغهم الجهد والتجئوا إلى أكل الأوراق والجلود ، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من

--> ( 1 ) زاد المعاد 2 / 46 .